أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

479

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله تعالى : أَ لَمْ يَعْلَمُوا : الجمهور : على « يَعْلَمُوا » بياء الغيب ردّا على المنافقين . وقرأ الحسن والأعرج : « تعلموا » بتاء الخطاب . فقيل : هو التفات من الغيبة إلى الخطاب إن كان المراد المنافقين . وقيل : الخطاب للنبي عليه السّلام ، وأتى بصيغة الجمع تعظيما كقوله : 2528 - وإن شئت حرّمت النساء سواكم « 1 » * . . . وقيل : الخطاب للمؤمنين ، وبهذه التقادير الثلاثة يختلف معنى الاستفهام : فعلى الأول يكون الاستفهام للتقريع والتوبيخ ، وعلى الثاني يكون للتعجب من حالهم ، وعلى الثالث يكون للتقرير . والعلم هنا يحتمل أن يكون على بابه فتسدّ « أن » مسدّ مفعولين عند سيبويه « 2 » ، ومسدّ أحدهما والآخر محذوف عند الأخفش ، وأن يكون بمعنى العرفان فتسدّ « أن » مسدّ مفعول . و « مَنْ » شرطية و « فَأَنَّ لَهُ نارَ » جوابها ، وفتحت « أنّ » بعد الفاء لما عرف في الأنعام والجملة الشرطية في محلّ رفع خبر « أنّ » الأولى . وهذا تخريج واضح وقد عدل عن هذا الواضح جماعة إلى وجوه أخر فقال الزمخشري : « ويجوز أن يكون « فَأَنَّ لَهُ » معطوفا على « أَنَّهُ » على أنّ جواب « مَنْ » محذوف تقديره : ألم يعلموا أنّه من يحادد اللّه ورسوله يهللك فأنّ له » . وقال الجرمي والمبرد : « أنّ » الثانية مكررة للتوكيد كأن التقدير : فله نار جهنم ، وكرّرت « أنّ » توكيدا . وشبّهه أبو البقاء بقوله تعالى : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ ، ثم قال : إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها قال : « والفاء على هذا جواب الشرط » . وقد ردّ الشيخ « 3 » على الزمخشري قوله بأنهم نصّوا على أنه إذا حذف جواب الشرط لزم أن يكون فعل الشرط ماضيا أو مضارعا مقرونا ب « لَمْ » . والجواب على قوله محذوف ، وفعل الشرط مضارع غير مقترن ب لم ، وأيضا فإنّا نجد الكلام تاما بدون هذا الذي قدّره » . وقد نقل عن سيبويه أنه قال : « الثانية بدل من الأولى » ، وهذا لا يصحّ عن سيبويه فإنه ضعيف أو ممتنع . وقد ضعّفه أبو البقاء بوجهين : أحدهما : أنّ الفاء تمنع من ذلك ، والحكم بزيادتها ضعيف . والثاني : أنّ جعلها بدلا يوجب سقوط جواب « مَنْ » من « الكلام » . وقال ابن عطية : « وهذا يعترض بأنّ الشيء لا يبدل منه حتى يستوفى ، والأولى في هذا الموضع لم يأت خبرها بعد ، إذ لم يأت جواب الشرط ، وتلك الجملة هي الخبر .

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) انظر الكتاب ( 1 / 125 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 65 ) .